أوروبا رفضت الحصار ودعمت الوساطة وموقف الدوحة

كان موقف دول أوروبا حاسما في رفض حصار قطر من دول الرباعي، وخاصة الإمارات والسعودية والبحرين، لأن الدول الكبرى في الاتحاد الاوروبي كألمانيا وفرنسا وبريطانيا تعتبر الخليج شريكا أساسيا واستراتيجيا في المنطقة، وبالتالي فإن ازمة مثل حصار قطر تؤثر على هذا التعاون الاستراتيجي.

وكان القادة في القارة الأوروبية واضحين في معارضتهم لتصرفات دول الحصار الذي تقوده السعودية والإمــارات ضد الدوحة. وساعدت تلك المعارضة الأوروبية الدوحة على تجنب العزلة الدولية التي كانت ترغب فيها دول الحصار. وسعت دول أوروبا للعب دور فاعل في الأزمة الخليجية وتعويض غياب الولايات المتحدة.

وبحسب تقرير مركز تحليلات دول الخليج كان موقف الثلاثة الكبار في أوروبا (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) بموقف رافض للحصار ودعم جهود الوساطة لحل الازمة. وشدد التقرير على أن الثلاثة الكبار في أوروبا أظهروا استعدادهم لمواصلة توسيع علاقاتهم التجارية والاستثمارية مع الدوحة، مؤكدين أنهم لن يتأثروا بالأزمة أو بحصار قطر. وبعد مرور عامين من فرض الحصار على قطر، بات الرباعي هو المحاصر في الدول الغربية بعد محاولاتهم الفاشلة للنيل من قطر على كافة المستويات، سواء على المستوى الحكومي أو الشعبي داخل الدول الأوروبية.

ولم تخرج مواقف الثلاثة الكبار في أوروبا عن اعتبار قطر شريكاً أساسياً في محاربة الإرهاب وليس داعماً له حسب المزاعم التي اندلعت الأزمة بسببها. وبرزت ألمانيا بموقف أكثر وضوحاً في الأزمة الخليجية منذ البداية، وكانت أولى الدول الأوروبية استجابة لتلك الأزمة ، ورفضت حصار قطر واتخذت موقفا حياديا وعدم تغليب كفة أحد الطرفين لاسيما أنها شريك تجاري لكل أطراف الازمة. وفي بداية الأزمة قام وزير خارجية ألمانيا بزيارة قطر والسعودية واستمع للطرفين، داعيا لحل الازمة عبر الحوار.

وعرضت ألمانيا الوساطة عبر وزير خارجيتها السابق زيجمار جابرييل غير أن الأمر اتسم بوجود مواقف مختلفة بين المعارضة الألمانية والحكومة الاتحادية. فالمعارضة الألمانية لم تقتنع باتهام دول الحصار لقطر، معتبرة مزاعم السعودية حول تمويل قطر للإرهاب أمراً مشكوكاً فيه. بل طالب خبير الشئون الخارجية في حزب الخضر الألماني أوميد نوريبور بوقف توريد الأسلحة الألمانية إلى السعودية كون الرياض من يمول السلفيين المتواجدين في ألمانيا، وهو الاتهام الذي وجهته المعارضة الألمانية للسعودية، وبنت عليه عدم اقتناعها بمزاعم السعودية في تمويل قطر للإرهاب. ولم تتوقف ألمانيا عند الجهود الدبلوماسية فقط، بل تعدت كونها على الحياد إلى تبنيها موقفاً أقرب إلى دعم قطر، مترجمة ذلك الدعم اقتصادياً بصفقات غذائية ألمانية في الأسبوع الثانى من يوليو 2017.

وهناك عدة أسباب وراء الموقف الالماني أولها المصالح الاقتصادية، فرغم قوة العلاقات الاقتصادية الألمانية الخليجية بصفة عامة إلا أن حصار قطر له تبعاته الأخطر على الاقتصاد الألماني، حيث يقدر حجم الاستثمارات القطرية في ألمانيا بحوالي 25 مليار يورو، وتمتلك قطر 17% من الأسهم الاساسية لشركة فولكسفاجن ما يسمح لها بتواجد مراقبين في مجلس الإدارة. وتشكل حجم الصادرات الالمانية لقطر 2,5 مليار يورو مقابل 1,2 مليار يورو حجم الاستثمارات الالمانية في السعودية، فيما يصب التبادل التجارى بين الإمارات وألمانيا لصالح الميزان التجاري الألماني، ما يعني أن محاصرة قطر تضر بالاقتصاد الألماني جراء ارتفاع تكلفة النقل بعد إغلاق الإمارات موانئها كمحطة ترانزيت للتجارة القطرية. ويتمثل السبب الثاني في رغبة الألمان بإيجاد موقف أوروبي خارج سياق الموقف الأمريكي. كما أن واشنطن على خلاف مع الاتحاد الأوروبي في مسائل عدة منها اتفاقيات التجارة الحرة واتفاق باريس للمناخ.

فرنسا وبريطانيا

تعد فرنسا من أكثر الدول الأوروبية اهتماما بأزمة دول الخليج كما تعد الأكثر نشاطاً في الوساطة كونها ترتبط بعلاقات اقتصادية هامة مع أطراف الازمة الخليجية. ولم تعلن وقوفها بجانب دول الحصار ، وتبنت دوراً فاعلاً في الوساطة، داعية إلى رفع الإجراءات التي تمس المدنيين في قطر جراء الحصار المفروض من قبل الدول العربية الأربع عليها، وهو ما تجلى في تصريحات وزير الخارجية الفرنسي جان إيفل ودريان حول عدم التصعيد في المنطقة، تجنباً للمزيد من التوتر في المنطقة.

ورغم أن بريطانيا كانت مشغولة بالانتخابات الداخلية المبكرة في الثامن من يونيو 2017. إلا أنها تدخلت في الازمة الخليجية ودعت إلى تهدئة الأجواء والجلوس على طاولة الحوار. وقام وزير خارجيتها آنذاك بوريس جونسون في الأسبوع الثاني من يوليو بزيارة إلى قطر والكويت دعما لجهود الوساطة. وبشكل عام لم تنحاز بريطانيا غلى أي طرف من أطراف الازمة بحكم المصالح الاقتصادية مع دول الخليجي فعلى سبيل المثال تعتمد بريطانيا على الغاز القطرى بنسبة 30% من احتياجاتها من الغاز، كما تعول بريطانيا على دول مجلس التعاون الخليجي في شراكة بديلة تعوضها عن خروجها من الاتحاد الأوروبي.

وأكد باسكال بونيفاس، رئيس المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والإستراتيجية، أن انطلاق الحصار جاء من دون مقدمات منطقية ولم يقنع الرأي العام الأوروبي والدولي حيث لم يجد المراقبون النزهاء للشأن الخليجي أي مبرر لحصار من الحجم الثقيل لدولة مستقلة مسالمة لأن المطالب الثلاثة عشر التي قدمتها دول الحصار لا ترتكز إلى سند معقول ومقبول في القانون الدولي ولا الأعراف الدبلوماسية المتفق عليها.

زيادة الصداقة والتعاون

وترتكز العلاقات بين قطر والاتحاد الاوروبي على أسس المبادئ واحترام القيم وحقوق الإنسان، وقد زادت أزمة حصار قطر من مستوى التعامل بين الجانبين، لأن الدول الأوروبية تقدر التعاون مع قطر لأنها رأت التزام الدوحة بالهدوء والدبلوماسية والدعوة للحوار، واحترام القوانين والأعراف الدولية، وهو ما عزز تقدير الدول الأوروبية تجاه قطر.

تحتفظ الدوحة بعلاقات استراتيجية مهمة مع الكثير من الدول الاوروبية ،حيث ان هناك الكثير من المصالح المتبادلة والاستثمارات بين الجانبين، فضلا عن أن قطر تمد تلك الدول وغيرها من الدول الاوروبية بالغاز والطاقة ما يعني أن العلاقات بين الطرفين مهمة وذات بعد استراتيجي. وخلال الأشهر الماضية قام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، بعدة زيارات على دول أوروبا بما يعكس عمق العلاقات مع دول الاتحاد الاوروبي. فخلال هذا العام قام صاحب السمو بزيارة إلى ألمانيا والنمسا. وشارك أيضا الشهر الماضي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في الدورة الخامسة والخمسين لمؤتمر ميونخ للأمن الذي عقد خلال الفترة 15-17 فبراير الماضي في مدينة ميونخ بجمهورية ألمانيا الاتحادية.

وشهد العام الماضي سلسلة طويلة من الزيارات إلى أوروبا نذكر منها، في شهر مارس من العام 2018 توجه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، إلى بلجيكا في زيارة رسمية تبعها بزيارة دولة إلى جمهورية بلغاريا. وفي شهر يوليو 2018 زار حضرة صاحب السمو كل من بريطانيا وفرنسا، حيث بدأ صاحب السمو بزيارة رسمية إلى العاصمة البريطانية لندن، لبحث توطيد علاقات الصداقة والتعاون بين البلدين. وبعد زيارة بريطانيا، قام صاحب السمو بزيارة رسمية إلى الجمهورية الفرنسية، وأجرى خلالها مباحثات مع كل من فخامة الرئيس إيمانويل ماكرون، ودولة السيد إدوار فيليب رئيس الوزراء وعدد من كبار المسؤولين الفرنسيين. أما في شهر سبتمبر، فتوجه صاحب السمو إلى مدينة برلين في زيارة عمل إلى ألمانيا، عقد خلالها لقاءات مع فخامة الرئيس الدكتور فرانك وولتر شتاينماير، ودولة المستشارة الدكتورة إنجيلا ميركل، وعدد من كبار المسؤولين تناولت تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل دعمها وتطويرها. كما افتتح سموه والمستشارة ميركل منتدى قطر وألمانيا للأعمال والاستثمار الذي عقد بالعاصمة الألمانية. وفي شهر نوفمبر 2018 قام صاحب السمو الشيخ بزيارة رسمية إلى جمهورية كرواتيا تبعها بزيارة دولة إلى الجمهورية الإيطالية.

مساعي دول الحصار الفاشلة

وطوال العامين الماضيين، سعت دول الحصار لعقد ندوات ومؤتمرات في أوروبا للتحريض على قطر خاصة في لندن وباريس وجنيف ومدريد وبرلين وميونيخ وغيرها من المدن الاوروبية، ولكن دول أوروبا بدت أكثر حدة في رفضها السماح بتنظيم تلك المؤتمرات على أراضيها. وكان مؤتمر لندن في سبتمبر 2017 محطة من محطات محاولات تشويه سمعة قطر بعد فشل مؤتمرات سابقة في القاهرة وجنيف. ومن خلال مؤتمر لندن سعت دول الحصار للنيل من سمعة قطر المشرقة ، إلا أن نواب بالبرلمان البريطاني رفض حضور المؤتمر. وأمام عزوف أبرز الشخصيات البريطانية والدولية والمنظمات غير الحكومية عن المشاركة في المؤتمر، استعان المنظمون للمؤتمر بشخصيات معروفة بولائها للسعودية والإمارات.

About The Author

Reply