نص كلمة صاحب السمو في افتتاح الجمعية العامة الـ 140 للاتحاد البرلماني الدولي

تفضل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، بحضور افتتاح الجمعية العامة الـ140 للاتحاد البرلماني الدولي والاجتماعات المصاحبة ، بفندق شيراتون الدوحة، مساء اليوم.

حضر الافتتاح معالي الشيخ عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية وأصحاب السعادة الوزراء وأعضاء مجلس الشورى ورؤساء البعثات الدبلوماسية في الدولة.

كما حضر سعادة السيدة غابرييلا كويفاس بارون رئيسة الاتحاد البرلماني الدولي وسعادة السيد مارتين شانكونغ الأمين العام للاتحاد البرلماني الدولي وسعادة السيد فلاديمير فورونكوف نائب الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب وأصحاب السعادة رؤساء البرلمانات والمجالس الوطنية والتشريعية والاتحادية ومجالس الأمة والنواب والشيوخ ورؤساء الوفود الأعضاء في الاتحاد البرلماني الدولي، إضافة إلى أصحاب السعادة أعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد، وممثلي المنظمات والاتحادات الإقليمية والدولية.

وألقى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، كلمة في افتتاح الجمعية العامة الأربعين بعد المائة للاتحاد البرلماني الدولي والاجتماعات المصاحبة لها، فيما يلي نصها .

بسم الله الرحمن الرحيم
سعادة الآنسة غابرييلا كويفاس بارون، رئيسة الاتحاد البرلماني الدولي،
سعادة السيد مارتن شونغ غونغ، الأمين العام للاتحاد البرلماني الدولي،
سعادة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة،
سعادة السيد أحمد بن عبدالله بن زيد آل محمود رئيس مجلس الشورى،
الحضور الكرام،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أود في البداية أن أرحب بكم، معبرا عن سعادتنا بانعقاد الجمعية العامة للاتحاد البرلماني الدولي في دورتها الأربعين بعد المائة والاجتماعات المصاحبة لها هنا في الدوحة، ونتمنى لكم طيب الإقامة في قطر. ويسعدني بهذه المناسبة أن أهنئ اتحادكم بإكمال عامه الثلاثين بعد المائة بنجاح، وبالدور الهام الذي لعبه في تقوية المؤسسات البرلمانية عبر العالم.
الحضور الكرام،

مما يزيد اهتمام الرأي العام باجتماعاتكم أن جدول أعمالها حافلٌ بالموضوعات الهامة المتعلقة مباشرة بهموم الناس وحياة الشعوب. ونثني على اختياركم موضوع “البرلمانات كمنابر لتعزيز التعليم من أجل السلام والأمن وسيادة القانون” ليكون محور النقاش في مناقشاتكم العامة في هذه الدورة. فالمبادئ والأهداف التي يشتمل عليها هذا المحور هي الغايات التي تسعى إليها البشرية جمعاء.

لقد أصبح التعليم في عصرنا حقاً من الحقوق الاجتماعية التي غدت بدورها جزءًا لا يتجزأ من حقوق الإنسان، وقد ضُمّن في الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة لعام 2030. والاستثمار في التعليم الجيد من أهم عناصر بناء الاقتصاد والنهوض بالمجتمعات وتحقيق النمو والرخاء. أما الجهل فهو من أهم معوقات النمو ونهضة الشعوب، هذا عدا عن أنه يغذي التعصب والعنصرية ويسهل نشر الأفكار المسبقة ضد الآخر المختلف.

ولو تحدثنا عن التحديات الناشئة عن التنمية المستدامة أو السلام أو سيادة القانون فإننا نجد أن التعليم يأتي في مقدمة المعالجات المجربة لهذه التحديات. ولقناعتنا بأهمية التعليم الجيد في بناء المجتمعات ونهضتها، فقد توجه اهتمامنا هنا في بلادنا نحو المواطن باعتباره هدف التنمية ووسيلتها في الوقت ذاته. وتوسعت دائرة اهتمامنا لتشمل محيطنا الإقليمي والعالمي، وذلك لإيماننا بأن أمننا واستقرارنا وازدهارنا مرتبط باستقرار الدول الأخرى وأمنها ورخائها.

وفي هذا السياق أولت قطر عناية خاصة للتعاون الدولي في مجال التعليم وقدمت الدعم التنموي الممكن لبعض الدول النامية في مختلف مناطق العالم، وكذلك للمنظمات الدولية العاملة في هذا المجال. كما أطلقت بلادنا مبادرات عديدة في مجال دعم وتشجيع التعليم بالتعاون مع الشركاء الوطنيين والعالميين من قبيل مبادرة “علم طفلاً”، ومبادرة “وايز” وغيرها من المبادرات.

وفي البلدان العربية قاد شباب متعلمون التحركات الشعبية طالباَ للكرامة والعدالة والحرية التي لخصوها بمقولة “العيش الكريم”. فقد أثبتوا أنهم متحضرون وحضاريون في مطالبهم وتحركهم، حين منحوا الفرصة للنشاط السلمي في بعض البلدان العربية. وتثبت هذه التجارب أن الأنظمة التي منعت عنهم حرية التعبير وفرص النشاط السلمي تتحمل مسؤولية أساسية عن تدهور الأوضاع إلى العنف.

فالشعوب عموما تفضل الإصلاح التدريجي على المجازفة بهزات ثورية كبرى ، ولكن التغيير السلمي يعتمد على وجود نخب حاكمة تتفهم مطالب الناس، ولا تواجهها بنظريات المؤامرة والقمع بالقوة، وتقود عملية الإصلاح والتغيير. ويسهم انتشار التعليم وارتفاع مستواه في تنمية النظرة العقلانية لهذه الأمور.

علينا من ناحية أخرى أن ننتبه إلى أنه إذا لم يقم التعليم على رؤية إنسانية متسامحة تتبنى قيما كونية ووطنية منفتحة فقد يتحول إلى أداة لنشر الجهل، وإذا لم يندمج في خطة تنموية شاملة فقد يخرج أفواجا من العاطلين عن العمل الذين ينتجون بيئة حاضنة لليأس والتطرف، ولا سيما حين ينعدم الأفق أمام التغيير والإصلاح.

الحضور الكرام،
سوف تناقشون موضوع سيادة القانون أيضا. ويصعب أن نجد دولة أو تنظيما معاصرا يرفض علناً فكرة سيادة القانون داخل الدولة. فمن دونها لا توجد عدالة من أي نوع، ونقيضا سيادة القانون هما الفوضى من جهة، والطغيان من جهة أخرى. وهما وجهان لعملة واحدة. فالطغيان يعني سيادة التعسف كما في حالة الفوضى.

نعرف جميعا أنه لا عدالة دون سيادة القانون، ولكن للأسف كثيرون يؤمنون بسيادة القانون دون عدالة. وهذا من أهم مصادر السياسات التي تخضع القانون لخدمة نظام الحكم فحسب أو لمصالح فئة معينة في المجتمع، وتشكل مصدرا للشعور بالظلم، ومن ثم للقلاقل وعدم الاستقرار.

أما على مستوى المنطقة والعالم فيزداد خطر تراجع دور القانون الدولي في العلاقات بين الدول والتوجه إلى تغليب سيادة القوة عليه، وتحول القانون والشرعية الدولية إلى سلاح الضعفاء فقط. وهو لا يسعفهم كثيرا أمام فيتو الأقوياء في مجلس الأمن، أو منح الأقوياء الغطاء الدولي للمعتدين على الغير ومنتهكي حقوق الإنسان، ومن يضمون أراضي الغير بالقوة. ومثال على ذلك اعتراف القوة الأعظم في هذا العالم عمليا بضم القدس، ورسميا بضم الجولان إلى إسرائيل.

يدرك الجميع أن هذه إجراءات مناقضة للقانون والشرائع الدولية ومبادئ العدالة. ولكن من الذي يجبر الدول على الالتزام بالقانون الدولي؟ ما من جواب فقهي قانوني على هذا السؤال. ولا بد أن تفهم الدول العظمى تحديدا أن قوتها ليست امتيازا لها فحسب، بل تفرض عليها واجبات أيضا، أهمها المساعدة في تطبيق القانون الدولي. ولا يجوز أن تنجر قياداتها إلى سياسات القوة. ويجب أن تدرك قيادات الدول الأخرى انه لا بديل للحوار والتفاهم فيما بينها على أساس احترام الشرائع الدولية، وأن البديل هو النزاعات المزمنة والصراعات المستدامة، واستمرار نضال المظلومين الغزير بالتضحيات لأجل تحقيق العدالة حيث يسود الظلم والاحتلال.

وثمة قضايا ساخنة في منطقتنا لم تعد العوامل المحلية هي الحاسمة فيها، كما في حالات مثل سورية وليبيا واليمن، ومع أني لا أبرئ الأنظمة والقوى المحلية من المسؤولية الأساسية عن نشوئها، إلا أن التدخل الدولي أو الإقليمي بغطاء دولي أصبح يفوقها أهمية في هذه المرحلة. ولو تصرفت الدول الإقليمية والدول الكبرى بمسؤولية ودفعت نحو التغيير السلمي والحلول السياسية، لوفرت الكثير من الألم والمعاناة على هذه الشعوب.

لكل منا وجهات نظره وآرائه، ولكن ثمة تحديات كثيرة مشتركة تجمعنا، من البيئة والمناخ وحتى الفقر والنزاعات المسلحة، والتطرف والإرهاب، ومؤخرا مشكلة الأمن السبراني واختراق خصوصية الأفراد. ولمواجهتها نفترض وجود حد أدنى من الالتزام بقيم إنسانية نتشارك بها.

تتعدد طبيعة أنظمة الحكم ولكن في عالمنا المعاصر ننتمي جميعا لإنسانية واحدة، واختلاف أنظمتنا لا يعفينا من الالتزام بقضايا مثل حقوق الإنسان. فاحترامها لا يجوز أن يقتصر على نظام حكم دون آخر. ترفض جميع الديانات ممارسة التعذيب والاعتقال التعسفي وامتهان كرامة الإنسان، وقد أصبحت هذه القيم مثبتة في المواثيق الدولية لا يجوز لنظام أن يتنصل منها بحجة الاختلاف.

لقد أوجدنا الله في هذه الدنيا مختلفين لنتعارف لا لنتعارك، ولنتكامل لا لنتصادم، وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى* وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا * إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ “. هذا التكامل يفسّر لنا أن الإنسان لا يمكن أن يعيش منعزلاً عن المجتمع، فذلك مناقض تماماً لسنة الحياة وينطبق ذلك على المجتمعات في عالمنا المعاصر، فالانعزالية ليست خياراً.

ومثلما نتعاون في التجارة والصناعة وتصدير التكنولوجيا واستيرادها علينا أن نتعاون في مكافحة تلوث البيئة وتدارك مخاطر التكنولوجيا والثقافة الاستهلاكية، كما أن الأفضل لاقتصاديات الدول المتقدمة التعاون في نشر السلم وحل الأزمات بدل الاستفادة من النزاعات لبيع السلاح. ومثلما نتعاون في مكافحة الإرهاب علينا أن نتعاون في مكافحة أسباب التطرف ومعالجة خلفياته. وتثبت التجربة مرة بعد أخرى، أنه لا يقتصر على حضارة دون أخرى، ولا على أتباع دين دون آخر، وأن كل تعميم من هذا النوع هو عنصرية لا أكثر ولا أقل. ولا يجوز أن تعني الحرب على الإرهاب مكافحة تطرف مسلح من لون واحد فقط، بينما نرى أنه ثمة قوى وحركات متطرفة إرهابية ليست ضمن أجندات هذه الحرب التي نشارك فيها جميعا.

إن المشكلة ليست في مبدأ وجود الاختلافات بل اختيار مسار الخصومة والعداء بدلا من الاختلاف الصحي. الاختلاف دليل صحة وعافية إذا قاد إلى الحوار.

وتكتسي الدبلوماسية البرلمانية أهمية أكبر في تعزيز الحوار لتسوية النزاعات بالطرق السلمية، حتى بالنسبة للنزاعات التي يظن البعض بأنها تستعصي على الحل. ولهذا أدعوكم لأخذ موضوع الدبلوماسية البرلمانية بجدية تامة.

الحضور الكرام،
تشهد قطر بفضل الله وتوفر الرؤية التنموية لدى الدولة وتضافر جهود مواطنيها والمقيمين فيها طفرة إنمائية في مختلف المجالات وليس التعليم فحسب، فقد حققت قطر مطلع هذا العام المرتبة الأولى في مؤشر الدول المحققة للنمو الاقتصادي في المنطقة، وأنجزت عدداً من المشاريع العملاقة في قطاع الصناعة والنقل والبنية التحتية والإنشاءات، وخصوصا تلك التي تقام لاستضافة بطولة كأس العالم 2022 والتي نعمل على أن تكون مناسبة للتآخي والتقارب بين الشعوب، وأتمنى أن يسمح برنامج عملكم لأخذ استراحة ومشاهدة بعض هذه المشاريع والمنجزات.
أشكركم وأتمنى لاجتماعاتكم النجاح والتوفيق،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

About The Author

Reply